الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

19

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

باعتبار تعدد المقتاتين ، فللدواب أقوات ، وللطير أقوات ، وللوحوش أقوات ، وللزواحف أقوات ، وللحشرات أقوات ، وجعل للإنسان جميع تلك الأقوات مما استطاب منها كما أفاده قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ومضى الكلام عليه في سورة البقرة [ 29 ] . وقوله : فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فذلكة لمجموع مدة خلق الأرض جرمها ، وما عليها من رواسي ، وما فيها من القوى ، فدخل في هذه الأربعة الأيام اليومان اللذان في قوله : فِي يَوْمَيْنِ [ فصلت : 9 ] فكأنه قيل : في يومين آخرين فتلك أربعة أيام ، فقوله في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فذلكة ، وعدل عن ذلك إلى ما في نسج الآية لقصد الإيجاز واعتمادا على ما يأتي بعده من قوله : فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ [ فصلت : 12 ] ، فلو كان اليومان اللذان قضى فيهما خلق السماوات زائدين على ستة أيام انقضت في خلق الأرض وما عليها لصار مجموع الأيام ثمانية ، وذلك ينافي الإشارة إلى عدّة أيام الأسبوع ، فإن اليوم السابع يوم فراغ من التكوين . وحكمة التمديد للخلق أن يقع على صفة كاملة متناسبة . و سَواءً قرأه الجمهور بالنصب على الحال من أَيَّامٍ أي كاملة لا نقص فيها ولا زيادة . وقرأه أبو جعفر مرفوعا على الابتداء بتقدير : هي سواء . وقرأه يعقوب مجرورا على الوصف ل أَيَّامٍ . و لِلسَّائِلِينَ يتنازعه كل من أفعال جَعَلَ و بارَكَ و قَدَّرَ فيكون لِلسَّائِلِينَ جمع سائل بمعنى الطالب للمعرفة ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف ، أي بيّنا ذلك للسائلين ويجوز أن يكون ل السَّائِلِينَ متعلقا بفعل قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فيكون المراد بالسائلين الطالبين للقوت . [ 11 ] [ سورة فصلت ( 41 ) : آية 11 ] ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) ثُمَّ للترتيب الرتبي ، وهي تدل على أن مضمون الجملة المعطوفة أهم مرتبة من مضمون الجملة المعطوف عليها ، فإن خلق السماوات أعظم من خلق الأرض ، وعوالمها أكثر وأعظم ، فجيء بحرف الترتيب الرتبي بعد أن قضي حق الاهتمام بذكر خلق الأرض حتى يوفّى المقتضيان حقّهما . وليس هذا بمقتض أن الإرادة تعلقت بخلق السماء بعد تمام خلق الأرض ولا مقتضيا أن خلق السماء وقع بعد خلق الأرض كما سيأتي .